محمد هادي معرفة
282
التمهيد في علوم القرآن
ويظهر هنا أنّ القرآن الكريم قد شخّص الحقيقة الموضوعية القائلة بأنّ الانسان بصفته خاضعا لظروف الزمان والمكان ، وينبعث دائما في تقييماته وآرائه من نزعاته وأهوائه لذلك . فمن الطبيعي سيادة حالة التظالم والخصومات والاعتداء ، كما أشار إلى ذلك القرآن قائلا : قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ « 1 » . واستنادا إلى ذلك فالإنسان عندما يتصدّى لوضع القواعد القانونية سيكون تحت تأثير تلك النزعات والأهواء ، ومن هنا اتّجه القرآن الكريم إلى بيان الشريعة العامّة ، وتكفّل بتحديد القواعد والمبادئ والأحكام العادلة والملائمة للانسان ، كما نبّه إلى ذلك في قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ « 2 » ، ولقد تضمّنت تلك القواعد والأحكام الحلول والمعالجات لإشكاليات الحياة الإنسانية ، كما أنها وفت بحاجات الإنسان الروحية والمادّية على حدّ سواء . إنّ الهدف من هذه الدراسة هو الكشف عن التصوّر القرآني العامّ - أي نظرية القرآن - في تقنين المجتمع ، وذلك بتحديد الأسس والمنطلقات التي تقوم عليها النظرية . ثمّ تبيّن الجوانب الأساسية فيها من القواعد الملزمة في نطاق الأسرة ، بصفتها المجتمع المصغّر ، وفي ميدان الفعّاليات والعلاقات بين أفراد المجتمع . * * * إنّ القرآن الكريم في نظريته لتقنين المجتمع ينطلق أولا من حقيقة مفادها أنّ تغيير المجتمع الإنساني وتطويره باتّجاه الكمال والرقيّ والصلاح لا يتحقّق ما لم يتمّ تغيير المحتوى الداخلي للانسان ، فكرا ونفسية وقناعات وسلوكا ، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 3 » ، والتغيير هنا أشمل وأعمّ .
--> ( 1 ) الأعراف : 24 . ( 2 ) الجاثية : 18 . ( 3 ) الرعد : 11 .